مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
108
شرح فصوص الحكم
( فالعباد المذكورون هنا كل عبد عرف ربه تعالى ) من الكل ( واقتصر ) نفسه ( عليه ) أي على ربه ( ولم ينظر إلى رب غيره ) كما لم ينظر ربه إلى عبد رب آخر فإن النظر إلى رب غيره لا يكون إلا من الجهل بربه ( من أحدية العين ) أي مع أن ربه عين رب غيره في مقام أحدية الذات ومع ذلك ( لا بد من ذلك ) أي من عدم النظر إلى رب الغير فإن الأمر في نفسه على ذلك ( وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) التي هي سرّي ) بكسر السين أي حجابي ( وليست جنتي سواك فأنت تسترني بذاتك ) فذاتك حجاب بيني وبينك فادخلي ذاتك بإفنائك في ذاتي حتى تشاهد ذاتي فكما أن رؤية اللّه تعالى لا يمكن في عالم الصورة إلا بدخول الجنة في عالم الآخرة كذلك لا يشاهد الحق في عالم المعاني إلا بالدخول في الجنة المعنوية ( فلا أعرف إلا بك ) أي لا يظهر آثار ربوبيتي إلا بسببك لا بدونك ( كما أنك لا تكون ) أي لا توجد ( إلا بي ) أي بسببي فإذا لم أعرف إلا بك ( فمن عرفك عرفني وأنا لا أعرف ) إلا بك ( فأنت لا تعرف ) إلا بي كما قال عرفت اللّه بالأشياء وعرفت الأشياء باللّه فتوقف معرفة كل منهما إلى الآخر الأول مشاهدة المؤثر من الأثر والثاني مشاهدة الأثر من المؤثر وهو أتم من الأول معرفة ومعناه لا يعرفني عبد إلا أنت ولا يعرفك رب إلا أنا وجاز أن يكون معناه وأنا لا أعرف على البناء المعلوم إلا أنت فأنت لا تعرف إلا أنا إذ كل رب لا يعرف إلا ما كان مظهر الربوبية كما أن كل عبد لا يعرف إلا ربه الخاص وقد انحصرت الأمر من الطرفين قال بعض الشراح وأنا لا أعرف بحسب الحقيقة وأنت لا تعرف بحسبها وإن كان له وجه لكنه لا يناسب المقام يظهر بأدنى تأمل ( فإذا دخلت نفسك دخلت جنته ) فإذا دخلت جنته ( فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها ) أي عرفت نفسك بهذه المعرفة ( حين عرفت ربك بمعرفتك إياها فتكون ) بسبب دخولك جنته ( صاحب معرفتين معرفة به ) أي بالحق بك ( من حيث ) أنك ( أنت ومعرفة به بك من حيث ) أنك ( هو لا من حيث أنك أنت ) ولم تكن هاتين المعرفتين إلا لمن دخل جنة ربه الخاص . ( شعر : فأنت عبد ) من حيث التعين ( وأنت رب ) من حيث الهوية ( لمن له فيه أنت عبد ) أي للذي أنت له في حقه عبد فالعبد رب لربه الخاص لا لغيره كما أنه عبد له لا لغيره فتعلق ربوبية العبد لمن تعلق عبوديته ومعنى ربوبية العبد ربه قبول أحكامه وإظهار كمالاته فيه وهذا مجازاة بين العبد وبين ربه الخاص وأما بين العبد وبين رب الأرباب وهو قوله : ( وأنت رب وأنت عبد * لمن له في الخطاب عهد ) وهو خطاب الست والعهد قول المخاطبين قالوا : بلى ، فإن هذا الخطاب عن مقام الجمع فكان الكل عبيدا للكل بسبب ربهم الخاص بهم ، فكان الخطاب عاما والعهد عاما فيتنوع العهد الكلي بحسب القوابل إلى العهد الجزئي الذي بين العبد وبين ربه الخاص وأما بينه وبين رب المطلق وهو عهد كلي فإذن يتنوع العهد ( فكل عقد ) أي فكل واحد من العهد